الجمعة، 20 ديسمبر 2013

أرغبُ ألاّ أصدّق

تلك الأوقاتُ التي يتردّدُ صدى موسيقاها في الذاكرة ..
 لم يخطر ببالي في أيّ منها أنّي سآتي ليومٍ جلُّ ما أتمنّاه
أن أمضي ما يتبقّى لي من الليالي أسندُ رأسي على كتفِ حلم ..

كيفَ لطفلةٍ تفتّحَ الحبُّ في قلبها على أنغامِ أغنياتٍ لا تمتُّ لما حولها بصلة أن تكبرَ يوماً .. تلكَ التي على شبابيكِ المنزل والشرفةِ أمضت أكثرَ أوقاتِها قلقاً تتأمّلُ وجوهَ العابرين بحثاً عمّن تخصّهُ بحرفٍ كالنقاء .. وحين طالبها شخصٌ ما بلقاء أشارت إليهِ أن سر على الرصيف المقابل ولا تلتفت إليّ حين أمرّ مسرعة .. طالبتهُ أن يكتفي بالهواء الذي تتشاركُ تنفّسهُ مع كلّ العابرين إن هوَ أرادَ يوماً لقاءها .. ومرّت دونَ أن تفكّرَ بالرسائلِ المعطّرةِ التي ستكتبها ولن ترسلَها .. دون أن تحلمَ بالنظراتِ التي ستقرؤها أو تسهرُ مع القمر تتلاشى بين معانيها الكثيرة التي لم تكن تعنيها .. مرّت كحلمٍ يمرّ في بالها حينَ يتحوّلُ صوتُ مدرّسةِ اللغةِ الانكليزية إلى نغمةٍ رتيبة في الحصّة الأخيرة .. وحين ترفعُ زميلةٌ لها خصلةً أفلتت على وجهها خجلاً بينما يمرّ أحدهم من مكان كنّ جميعهنّ يعتقدنهُ قريباً بما يكفي ليكونَ قاصداً أن يرى إحداهنّ كلّ يوم بعد انتهاء الدوام ...

تلكَ الذاكرةُ التي لا تفرّقُ بين صوتِ مدرّس الرياضيات حين يعلو ممتدحاً ذكاءها أو خطِّ مدرّس اللغة العربية حين يكتبُ الملاحظة الموعودة كلّ مرّة على سطرِ لوحتِها الأدبيّةِ المختزلةِ في حصص التعبير .. لا تفرّقُ بينَ شرود مدرّس الفيزياء وغرور مدرّسةِ الكيمياء .. ذاكرةُ الطفلة التي ما زالت كلّ ليلةٍ تتمنّى أن تستعيدَ كنزها الأثير .. أن تخطو بلا قلق على الرصيف الرماديّ مسرعةً إلى يومٍ جديد من الحياة .. إلى وجوه الصديقات وأحلامهن .. إلى عيونٍ لا تراها وكلماتٍ تمزّق أوراقها قبل قراءتها وأصواتٍ لا تسمعها وهي تصغي إلى غناء الحياة اللانهائي كلّ صباح .. كيفَ لها أن تفرّق بينَ ميل الغصنِ وحلاوةِ حبّ التوت .. بين لون الوريقات الخضر ونداها وبين صراخ المشرفة أن أسرعنَ فقد بدأ الوقت يمضي بينما تتمايلن غنجاً لاهيات على السلّمِ العتيق ..


كيفَ أصدّقُ أنّ المدفأةَ التي لم تشتعل أكثرُ قدرةً على منحي لحظاتٍ من سكينة وسلام .. أكثر قدرةً من أسماء جميع الأشياء .. وأنا التي ألوذُ بغيمةٍ لم تمطر .. بهطولٍ رحلَ مع كلّ رسائلي والخطوط المتموجةِ التي يقولون إنّها رسوماتي .. بحنينٍ إلى قلبي الذي "استقلّ عنّي دونَ أن يصبح حجرا" .. كيفَ أصدّقُ وأنا الفكرةُ التي أشعرُ أنّها أكثرُ الأسرارِ قدرةً على البقاء طيّ الكتمان ...
 أرغبُ ألاّ أصدّق 

الأربعاء، 11 ديسمبر 2013

زفرة : ما تيسّرَ من حماقة ..



.

كتمثال ثلجيّ على حافة الهاوية .. أسقط ألف مرّة وأموت في المرّة ألف مرّة .. ولا أذوب ولا ينهي عذابي طول الاحتراق .. تأكل قلبي نارٌ تلسعُ كثلجهم .. وأمضي إلى حيث أنا دون توقّف .. في رحلة بلا عودةٍ أو وصول .. إلى ما يشبه الجحيم .
السعداء هم المجانين .. على طرقات تحرّروا فيها ممّن يخطف حصّتهم في اللعب أو الضحك أو البكاء على السواء .. وأنا التي لا إثم لها سوى ما تشتهي من حياة .. سوى ما في قلبها من طفولة .. أكره ما يحدث لي .. أبكي دون توقّف .. ويحرقني البكاء أكثر ممّا تحرقني جمرات انتظاري .. حتى لتكاد لعنتي تحلّ على أسماء جميع الأشياء ..
الثلج بكاء المدينة الأبيض المسعور .. وأنا الوهم المعلق لوحةً على حائط بلا لون .. الشرفات أقفاصُ العصافير المحظوظة بما يكفي للتنفّس .. وأنا عصفورٌ لديه شرفةٌ يحتسي فيها القهوةَ ويرى منها النور .. لا حقّ لي بالشكوى .. فوالداي يختلفان لأجلي .. وتفوز أمي حين أصرخ باكية أنْ كفى .. لم أعد أريد الذهاب إلى أيّ مكان .. لم أعد أريد مشاركةَ اللعب مع الأطفال أو المشي وحيدة على غير هدى .. لم أعد أريد التقاط الصور لنفسي مع الأشجار والطرقات التي تزيّنت كعروسٍ سحريّة من ألق .. لم أعد أريد الجلوس في مقهىً أقتسم بخار قهوتي مع غرباء .. لم أعد أريد أيّ شيء .. كاذبةٌ أنا طبعاً أريدُ كلّ هذا .. إنّما كفى صراخاً .. سأكتفي لأجلكما عن كلّ الأشياء بحماقة البكاء !
أبي غاضبٌ حتماً .. فهو ككلّ الرجال لا يحتمل تذمّر النساء .. ولا يحتمل أن نختلف بلا جدوى على أشياءَ لا تهمّه أصلاً .. وهو لا يفهم ما الذي يجعل البرد جميلاً في عيني إلى هذا الحد .. لكنه يرغب أن أصمت فقط .. أن أنتهي من كلّ هذا الإلحاح الأجوف .. وأنا ما عاد لي قدرةٌ على مزيد من الشكوى .. وسأكتفي بالصمت ..
يمكنُ لفتاةٍ أن ترضى بساعاتٍ من السير في الأسواق بلا هدف .. ويمكن لها أن تمسك بآلة تصوير وتلتقط لنفسها صوراً بلا هدف .. يمكن لها أن تتناول الحلوى .. إن وجدت من يجلبُ لها الحلوى .. أو تكتب أو تتحدّث بلا توقّف .. فقط لتتذمّر من كونها شقيّة تعيسةً .. وهي واثقة أصلاً أنها لم تذق يوماً طعم الشقاء .. لا تكترث الأنثى إن اعتقدتَ أنها حمقاء .. فقط ذرها وما تبكي أيها العالم المهووس بالغرف المغلقةِ وقضبان الأقفاص ولون الحرب .. ذرها وما تبكي حتى وإن اعتقدت أنّها حمقاء !

ليتني الآن رسمٌ على غلاف كتاب ...


الأربعاء، 28 أغسطس 2013

كما نحزنُ معاً ؟!


تغنّي فيروز "رجع أيلول وإنتَ بعيد"
مهلكِ يا سيّدةَ الصوتِ فأيلولُ لم يأتِ بَعد ..
 ثمَّ إنّهُ ههنا قريبٌ في القلبِ لم يزل .. وسيبقى

الصباحُ مهلةُ العاشقِ الأخيرة ..
سيحظى بفنجانِ قهوتِهِ الأخيرِ مع مَن يحبّ ..
ثمَّ يمضي إلى حربِهِ الضروسِ في سبيلِ لا شيء ..
سيسعى لإرضاءِ الناسِ جميعاً
وسيرمي بعهدِ الحبِّ عُرضَ الحائط ..
سيراهنُ الأصدقاءَ ويكسبُ الرهاناتِ جميعاً ..
ويعودُ إلى المنزلِ محمّلاً بانتصاراتٍ ثقيلة ..
 ليكسبَ رضى ما تبقّى من سكّانِ الكوكب .. ثمّ ينام ..
ويعودَ صباحاً ليصحو
على صورةِ محبوبَتهِ السعيدةِ الراضيةِ في أفقِ الحُلُم
فيختلقَ عذراً جديداً ليراها
 ويحتسي معها على مهلٍ فنجانَ قهوةِ الوداعِ الأخير
قبلَ أن يبدأ معركةَ النهار !

الليلُ حزنُ العاشقةِ الأخير ..
 ستخترعُ ألعابَها وتسلّي نفسَها ..
وسترضى باحتمالِ الفراقِ القائمِ دوماً
فهي لن تموتَ من الحزنِ يوماً إن ابتعدَ ولن يقتلَها الشوق
ستسهرُ حتّى الصباحِ تفكّرُ وتسترجعُ أحلى ذكرياتِها ..
 ستغنّي وترقصُ حتّى التعب في غرفتِها المعزولةِ عن العالم
وقبلَ أن ترغبَ بالنومِ سيفاجِئها بعودتِهِ رغبةً في لقاءٍ آخرَ أخير
تشاركُهُ فيهِ فرحةَ الوقتِ المسروقِ من عمرِهما ..
وتستمعُ معهُ لفيروزَ تغنّي بأسىً كبير "أمسِ انتهينا"
 قبلَ أن يذهبَ إلى حربهِ المعتادةِ وتضحكَ في نفسها قائلةً
أمامي نهارٌ آخرُ طويلٌ من الحياةِ الجميلة ..

 لماذا لم يقدّر لنا أن نفرحَ معاً كما نحزنُ معاً ؟!

منتهى الأشياء

خذ بيدي ولنسر معاً إلى منتهى الأشياء ..
 باللهفة المزروعة في قلبي الذي مسّه الضرّ مراراً 
ولم تنطفئ شياطين العشق فيه .. 
لا تنحنِ للنار أو للريح أو لطوفان الحرب المسعور ..
 مزّق حصارك .. سيحميكَ شغفي الذي لا ينتهي بجميع الأشياء 

أخاطبك ثانية دون أن أعلم من تكون .. 
كن حبيبي .. كن صديقي .. كن أنا .. 
كن ظلّ الحياة على جدران البؤس التي نعيش فيها ..
 كن ما تشاء أن تكون لكن لا تدعني أمضِ وحيدة ! 

كم مرّ من الوقت منذ خاطبتك أول مرة ..
 كنت طفلة لا تفقه من أسرار الحياة شيئاً 
لم أطالبك بما هو سوى الحبّ .. 
والآن بعد كلّ هذه السنوات .. عدتُ لأسألك ذات السؤال 
من أنت .. ومتى ستأتي لتحيطني بذراعي أشواقك التي لا تنتهي 
وتكتب لي بخطّ يدك .. رسالة من زمن جميل 
لم أعد أرى فرسانه حولي ولا حتى أتخيّلهم 
وبالكاد أصدق وجودهم فقط لأنكَ أحدهم .. 
ولأنّك ستأتي قريباً لتأخذ بيدي ونسير معاً إلى منتهى الأشياء .. 

أحتاجكَ أكثر ممّا ظننتُ أنّي سأحتاجك يوما ..

هويّةٌ


بقدر ما حاولتِ أنْ تحتالي على الوقت الفائض من يومي
وتجتثّي لقاءنا اليتيم ذات ذكرى من عاطفتي ..
 لم تستطيعي منعي من تهجئة الفرحِ على أصابعكِ وبينَ ذراعيكِ
كنتُ هناك طيلة الغياب أجثو أمامكِ منتظراً منكِ أنْ تنظري إليّ
وفي كلّ مرّة غضبتِ وهجرتِ دفئي
كنتُ آتيكِ صباحاً ضاحكاً مستبشراً محمّلاً بالهدايا ..
طمعاً منكِ في ابتسامةٍ أعشقُها كنتِ تبخلينَ بها على عينيّ
 فتنتظرين أن أذهب لو لحظةً إلى عالمِ انتظاري
حيثُ ستبتسمينَ كثيراً في غيابي وتعدينني بلقاءٍ وحديثٍ مؤجّل

كلّ مرةٍ أصدّق فيها قولكِ وأعلم أنّك لا تدركين كم غبتِ عنّي
 وتظنّين أنّكِ دوماً معي ولم تخلفي لي يوماً موعدا ..
 أعلمُ هذا وأجهل كيف لا تلاحظين كم أنا هنا وأنتِ هناك ..!

لماذا بعد أنْ كنتِ كلّ ما لي في هذا العالمِ سلبتني قلبَكِ يا صغيرتي
 بعدَ أنْ كان كنزي الوحيد .. كيف لا أبكي وأنتِ قصيدةُ حزنٍ ألّفها عمري
كانت في البدء شفائي وصارت سطراً إثر سطرٍ موتي المشتهى ..
 وحتّى حين صرتِ لي كلَّ ما أتمنّى
عدتِ لتحرّمي عليّ حتّى الموتَ بين ذراعيك ..
 أحقّاً صرتِ سكّيناً في خاصرةِ لغتي
وقد كنتِ دوماً أشهى وأبهى كلماتي على الإطلاق ..؟!

 لا تحزني أرجوكِ .. ليس الوقتُ حزني المشتهى
 بل أنتِ خارطةُ أحلامي وبوصلة أيّامي
 وحيثما أكونُ تكونُ عيناكِ أجملَ أغنياتي
ويداكِ أغلى ما سعبتُ إليهِ منذ الأزل ..

 حبيبتي لا تظنّي أنّ قتلكِ لي يميتُ حبّكِ فيّ أو يهلكُني
بل كلّ جرحٍ من يديكِ لي هويّةٌ وسعادةٌ لا تنتهي لو انتيهتُ أنا ...

كراكيب .. حروب البقاء


وحشُ الغيرةِ أخضرُ العينين
وحشُ الذاكرةِ أزرقُ العينين
 الحياةُ عيناها سوداوان فاتنتان 
ثغرُها باسمٌ أبدا ...


"نتالي" ..
حظّي بالهوى كحظّ عاشقِكِ ..
فقد عشقتُ الغريبَ كما عشقَ الغريبة
و"ما ينفعني دوا" ..
لا يا صديقتي المسافرة ..
 يا نجمةً لم يعد يلتقي مدارها
 في السماواتِ بنجمِ "حسام"
"نتالي" ..
 أينَ أنتِ منّا وأينَ منّا اللقاء ..؟!
 وتعود الأغنيةُ لتسألَ بإلحاح ..
"بتذكر شو مشينا؟!"
هل حدثَ كلّ ما حدثَ حقاً ..؟
 أتذكّره جميعهُ وكأنّه مجرّد حلم !
*متل الأوّل ..
صمتٌ طويلٌ بين البداية
ومشاريع النهاياتِ الكثيرة التي
 لم يكلّل حتّى أكثرها إيلاماً بالنجاح
*ضلّ سآل
مثل الحكايات الجميلة التي سمعناها مراراً
دون أن نشعرَ بالملل يوماً ..
 قطعةُ سكّرٍ صغيرة .. تذوبُ في القلبِ فتُذَوّبُ القلب
ما أجملَها .. ليتني طفلةٌ مثلها لألعب معها
بل ليتكَ طفلٌ مثلها لأبتسم لكَ دونَ شعورٍ بالذنب
بإمكاني انتظار السعادة عمراً كاملاً
على كرسيّ في مقهى ..
لكنّي قطعتُ على نفسي عهداً ألاّ أفعل
فالسعادةُ في قلبي لا على الكراسي

لم يعد الدمع لغتي فكيفَ لي أن أبكي 
وقد سرقتَ دموعي لتبكي عليّ
 بعد أن غلبتْكَ الحياةُ في حربِكَ للحفاظِ على بقائنا معاً 
هكذا هي حروب البقاء يا صديقي الجميل 
لا تقبلُ الحلولَ الوسط ..!

لا هو ولا سواه

كتفها العاري سهواً أو عمداًُ..
 النظرة التائهة على وجهها
 أحلامها الذابلة العطشى 
وابتسامته الموغلة في الغياب 
هاتف لم يعد يلتقط أثراً لشبكة اتصال 
وقلمٌ وأوراق .. 
رسوم لا معنى لها سوى الأسى
 وشوقٌ ضارٍ تخشى أن تبوح به حتى لنفسها 
مَن لروحها؟! هي التي تحتمل كل تلك الحرائق
 ولا تجد من تشكو له سوى سهر طويل 
تخش أن تقوّضه بنوم يجلب لها أشهى أحلامها
فلا هي تدري إن كانت ترغب بسعادة على هيئة حلم 
أو ستشقى بذكراها على شقائها 
ويمتصّ كل سلام روحها ذاك المبهم البعيد 
تتطلع إلى المرآة وتشفق على نظرات حيرى
 وأشباح سعادة مؤجلة .. 
وثمارٍ نضجت وآن قطافها 
دون أن تقدر على إرسال ندائها الخفيّ لأيٍّ كان 
فلا هو ولا سواه سيكون عزاءً لبؤسها 
ووحشة هذه العزلة التي لا تنتهي .. 
لا هو ولا سواه !