تلك الأوقاتُ التي يتردّدُ صدى موسيقاها في الذاكرة ..
لم يخطر ببالي في أيّ منها أنّي سآتي ليومٍ جلُّ ما أتمنّاه
أن أمضي ما يتبقّى لي من الليالي أسندُ رأسي على كتفِ حلم ..
كيفَ لطفلةٍ تفتّحَ الحبُّ في قلبها على أنغامِ أغنياتٍ لا تمتُّ لما حولها بصلة أن تكبرَ يوماً .. تلكَ التي على شبابيكِ المنزل والشرفةِ أمضت أكثرَ أوقاتِها قلقاً تتأمّلُ وجوهَ العابرين بحثاً عمّن تخصّهُ بحرفٍ كالنقاء .. وحين طالبها شخصٌ ما بلقاء أشارت إليهِ أن سر على الرصيف المقابل ولا تلتفت إليّ حين أمرّ مسرعة .. طالبتهُ أن يكتفي بالهواء الذي تتشاركُ تنفّسهُ مع كلّ العابرين إن هوَ أرادَ يوماً لقاءها .. ومرّت دونَ أن تفكّرَ بالرسائلِ المعطّرةِ التي ستكتبها ولن ترسلَها .. دون أن تحلمَ بالنظراتِ التي ستقرؤها أو تسهرُ مع القمر تتلاشى بين معانيها الكثيرة التي لم تكن تعنيها .. مرّت كحلمٍ يمرّ في بالها حينَ يتحوّلُ صوتُ مدرّسةِ اللغةِ الانكليزية إلى نغمةٍ رتيبة في الحصّة الأخيرة .. وحين ترفعُ زميلةٌ لها خصلةً أفلتت على وجهها خجلاً بينما يمرّ أحدهم من مكان كنّ جميعهنّ يعتقدنهُ قريباً بما يكفي ليكونَ قاصداً أن يرى إحداهنّ كلّ يوم بعد انتهاء الدوام ...
تلكَ الذاكرةُ التي لا تفرّقُ بين صوتِ مدرّس الرياضيات حين يعلو ممتدحاً ذكاءها أو خطِّ مدرّس اللغة العربية حين يكتبُ الملاحظة الموعودة كلّ مرّة على سطرِ لوحتِها الأدبيّةِ المختزلةِ في حصص التعبير .. لا تفرّقُ بينَ شرود مدرّس الفيزياء وغرور مدرّسةِ الكيمياء .. ذاكرةُ الطفلة التي ما زالت كلّ ليلةٍ تتمنّى أن تستعيدَ كنزها الأثير .. أن تخطو بلا قلق على الرصيف الرماديّ مسرعةً إلى يومٍ جديد من الحياة .. إلى وجوه الصديقات وأحلامهن .. إلى عيونٍ لا تراها وكلماتٍ تمزّق أوراقها قبل قراءتها وأصواتٍ لا تسمعها وهي تصغي إلى غناء الحياة اللانهائي كلّ صباح .. كيفَ لها أن تفرّق بينَ ميل الغصنِ وحلاوةِ حبّ التوت .. بين لون الوريقات الخضر ونداها وبين صراخ المشرفة أن أسرعنَ فقد بدأ الوقت يمضي بينما تتمايلن غنجاً لاهيات على السلّمِ العتيق ..
كيفَ أصدّقُ أنّ المدفأةَ التي لم تشتعل أكثرُ قدرةً على منحي لحظاتٍ من سكينة وسلام .. أكثر قدرةً من أسماء جميع الأشياء .. وأنا التي ألوذُ بغيمةٍ لم تمطر .. بهطولٍ رحلَ مع كلّ رسائلي والخطوط المتموجةِ التي يقولون إنّها رسوماتي .. بحنينٍ إلى قلبي الذي "استقلّ عنّي دونَ أن يصبح حجرا" .. كيفَ أصدّقُ وأنا الفكرةُ التي أشعرُ أنّها أكثرُ الأسرارِ قدرةً على البقاء طيّ الكتمان ...
أرغبُ ألاّ أصدّق